وُلِدَ سيدنا محمد (ص) يتيما، أو أصبح كذلك بعد وفاة والده بوقت قصير. وقامت على رعايته زوجة أحد الرعاة في الجبال، كما جرت التقاليد في ذلك الوقت، حتى أصبح عمره خمس سنوات. عمل سيدنا محمد (ص) في رعي الأغنام، وفي سن السادسة توفّت والدته فاعتنى به جدّه عبدالمطّلب. وقد اعتاد الصبي أن يجلس بجانب جدّه شيخ القبيلة على بساط يُفْرَشُ في ظلّ الكعبة. وفي سن الثامنة توفّى جدّه فاعتنى به عمّه أبو طالب. كان سيدنا محمد (ص) فقيرا، امتهن الرعي في طفولته وصباه، ثمّ اشتغل في التجارة، وفتح دكّانا، ورافق قوافل التجارة في رحلاتها، وكان حضرته في ذلك كلّه على درجة عالية من الأمانة والصدق والنزاهة، حتى إنّه اشتهر بطهارة حياته فلقّبوه بـ “الأمين” أي “الجدير بالثقة”.
كان في مكة امرأة مشهورة وجميلة اسمها خديجة، تزوّجت وترمّلت مرتين وهي الآن في حوالي الأربعين من العمر. كانت تعمل في التجارة، وكان سيدنا محمد (ص) يعمل كوكيل لها في تجارتها. وقد أدار بنجاح تجارة لها في إحدى القوافل إلى الشام. ومع أنّها كانت قد رفضت الزواج من كبار رجالات وزعماء مكة، إلّا أنّها أحبّت هذا الشاب الفقير من أهل قومها مع أنّها تكبره بحوالي 16 سنة، ومع هذا كان زواجهما واحدة من قصص الحب الصادق في التاريخ، وبقيت زوجته الوحيدة خلال الـ 23 سنة التالية، بالرغم من أنّ تعدّد الزوجات كانت عادة تمارسها معظم شعوب العالم آنذاك. ونقرأ عن ذلك الزواج: … كان هناك حفل زواج عظيم، قُدِّمَت فيه بعض قوارير من الجلد مملوءة بالنبيذ الغالي، وفي وسط الساحة الداخلية، وتحت أضواء المشاعل، رقصت جاريات العروس وغنّت على وقع أصوات الدفوف، كما ذُبِحَ جَمَلٌ على عتبات البيت ووزّع لحمه على الفقراء … كان لسيدنا محمد (ص) وخديجة عدة أطفال، توفّى جميع الذكور، ثم أصبحت أم فاطمة الزهراء، أقدس امرأة في الإسلام على الإطلاق.
الآن، أصبح سيدنا محمد (ص) رجلا له مكانته بين الناس، ولكنه لم يندمج في الحياة العامة، إلّا اللّهمّ مراعاته للفقراء والمساكين الذين كان شخصيّا حريصا على مساعدتهم. كان زمان حضرته زمان الفوضى واللاقانون. وكان غالبا ما يطلب العزلة لنفسه إلى جبل عال مخروطي الشكل شمال مكة، يعتكف وحده في كهف هناك عُرِفَ فيما بعد بـ “غار حِرَاء”. ومن جبل حراء كان حضرته ينظر على مد البصر شرقا وجنوبا إلى جبال أُخرى وإلى مواقع أُخرى في الفضاء الفسيح الممتد أمامه، وإلى التلال السوداء والرمادية وإلى الوديان الرملية البيضاء. وكان حضرته على هذا الجبل عندما التقى برئيس الملائكة – جبريل – لأول مرّة، حيث ظهر له كنور على عرش من نار، فاضطربت أركان محمد (ص) اضطرابا عظيما حتى أعماق نفسه. ذهب بعدها إلى خديجة يرتجف وهو في غاية التعب والإرهاق، فقامت على تهدئته وسهرت على راحته، ومنذ ذلك الوقت أصبح جبل حراء يسمّى بـ “جبل النور”.
كان هناك رجل اسمه سَلْمَان الفارسي، قد أمضى سنوات عديدة من حياته في الأسفار والتجوال يبحث عن نبي. ولد سلمان في قرية إيرانية، وكان وهو صبي يعمل في معابد الزرادشتيين في إشعال النار المقدّسة. ثم ترك إيران قاصدا دمشق، وفي طريقه تنقّل من خدمة رجل دين إلى آخر … كانوا في مجملهم أربعة رهبان. وكان كلّما حضر أحدهم الموت أوصاه إلى رجل دين بعده، وعندما حضر الرجل الرابع الموت قال لسلمان “هذا هو زمن الأنبياء الذي سيرسل فيه نبي، قم وتوجّه إلى بلاد الحجاز وستجد ضالتك هناك”.
في تلك الأيام لم يكن السفر آمنا. لأنّهم إذا أمسكوا بك باعوك كعبد من العبيد. وهكذا أمسكوا بسلمان وهو مسافر إلى الجزيرة العربية وباعوه ليهودي من المدينة. عمل سلمان في بساتين النخيل فيها، وكان يتولّى أمر الجمل الذي يدير الساقية التي ترفع المياه لقنوات الري. وفي يوم كان سلمان على قمة شجرة نخيل سمع سيده يتكلّم لأحد … يقول بأنّ هناك رجل في مكة ادّعى بأنّه نبي. ولدى سماعه هذه الكلمة بدأ سلمان يرتعش، وارتجف جسمه بشدّة حتى إنّه فقد تماسكه وانزلق إلى أسفل النخلة وسقط على رأس سيده الذي غضب وضربه وأنّبه متسائلا “ماذا بك؟”.
يَحْكِي لنا حضرة بهاءالله في كتاب الإيقان: ” … إذ عند ظهور فلك سماوات العدل، وجريان فلك الهداية على بحر العظمة، يظهر في السماء نجم بحسب الظاهر يكون مبشّرا لخلق السموات بظهور ذلك النيّر الأعظم، كما يظهر في سماء المعاني نجم يكون مبشّرا لأهل الأرض بذلك الفجر الأقوم الأكرم” (الإيقان 49) … “كذلك كان قبل ظهور الجمال المحمدي، قد ظهرت آثار في السماء الظاهرة، وأمّا الآثار الباطنة فقد كانوا أربعة رجال، واحدا بعد الآخر يبشّرون الناس على الأرض بظهور شمس الهداية. وقد تشرّف بشرف خدمتهم “روزبه” الذي سمّى بسلمان، وكان كلّما حضرت الوفاة أحدا منهم يرسل روزبه إلى الشخص الآخر إلى أن أتت نوبة الرابع الذي قال له في وفاته يا روزبه، إذهب من بعد تكفيني ودفني إلى الحجاز حيث تشرق هناك الشمس المحمدية، ويا بشراك بلقاء حضرته (الإيقان 51-52)” … وقبل التبشير بظهور سيدنا محمد (ص) بوقت قصير، كان هناك شعور عام في الجزيرة العربية بأنّ تغييرا ما على وشك الحدوث؛ كانوا يتوقّعون ظهور نبي، حتى إن النساء كُنَّ قلقات ويتلهّفنّ دوما لإنجاب أطفال ذكور، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بدّ أنّ إحداهن ستكون أمّ رسول الله، أمّا العقول الأوسع إدراكا والأكثر اهتماما فكانوا متأثّرين بأحاديث يهودية، وكانوا يبحثون عمّن يسمّونه (ملّة إبراهيم) وكان أتباعه حنفاء لله أو غير مشركين” أي تركوا عبادة الأصنام. ….وللحديث بقية….
أحدث التعليقات