صفحة الأرشيف 2

سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام

وُلِدَ سيدنا محمد (ص) يتيما، أو أصبح كذلك بعد وفاة والده بوقت قصير. وقامت على رعايته زوجة أحد الرعاة في الجبال، كما جرت التقاليد في ذلك الوقت، حتى أصبح عمره خمس سنوات. عمل سيدنا محمد (ص) في رعي الأغنام، وفي سن السادسة توفّت والدته فاعتنى به جدّه عبدالمطّلب. وقد اعتاد الصبي أن يجلس بجانب جدّه شيخ القبيلة على بساط يُفْرَشُ في ظلّ الكعبة. وفي سن الثامنة توفّى جدّه فاعتنى به عمّه أبو طالب. كان سيدنا محمد (ص) فقيرا، امتهن الرعي في طفولته وصباه، ثمّ اشتغل في التجارة، وفتح دكّانا، ورافق قوافل التجارة في رحلاتها، وكان حضرته في ذلك كلّه على درجة عالية من الأمانة والصدق والنزاهة، حتى إنّه اشتهر بطهارة حياته فلقّبوه بـ “الأمين” أي “الجدير بالثقة”.

كان في مكة امرأة مشهورة وجميلة اسمها خديجة، تزوّجت وترمّلت مرتين وهي الآن في حوالي الأربعين من العمر. كانت تعمل في التجارة، وكان سيدنا محمد (ص) يعمل كوكيل لها في تجارتها. وقد أدار بنجاح تجارة لها في إحدى القوافل إلى الشام. ومع أنّها كانت قد رفضت الزواج من كبار رجالات وزعماء مكة، إلّا أنّها أحبّت هذا الشاب الفقير من أهل قومها مع أنّها تكبره بحوالي 16 سنة، ومع هذا كان زواجهما واحدة من قصص الحب الصادق في التاريخ، وبقيت زوجته الوحيدة خلال الـ 23 سنة التالية، بالرغم من أنّ تعدّد الزوجات كانت عادة تمارسها معظم شعوب العالم آنذاك. ونقرأ عن ذلك الزواج: … كان هناك حفل زواج عظيم، قُدِّمَت فيه بعض قوارير من الجلد مملوءة بالنبيذ الغالي، وفي وسط الساحة الداخلية، وتحت أضواء المشاعل، رقصت جاريات العروس وغنّت على وقع أصوات الدفوف، كما ذُبِحَ جَمَلٌ على عتبات البيت ووزّع لحمه على الفقراء … كان لسيدنا محمد (ص) وخديجة عدة أطفال، توفّى جميع الذكور، ثم أصبحت أم فاطمة الزهراء، أقدس امرأة في الإسلام على الإطلاق.

الآن، أصبح سيدنا محمد (ص) رجلا له مكانته بين الناس، ولكنه لم يندمج في الحياة العامة، إلّا اللّهمّ مراعاته للفقراء والمساكين الذين كان شخصيّا حريصا على مساعدتهم. كان زمان حضرته زمان الفوضى واللاقانون. وكان غالبا ما يطلب العزلة لنفسه إلى جبل عال مخروطي الشكل شمال مكة، يعتكف وحده في كهف هناك عُرِفَ فيما بعد بـ “غار حِرَاء”. ومن جبل حراء كان حضرته ينظر على مد البصر شرقا وجنوبا إلى جبال أُخرى وإلى مواقع أُخرى في الفضاء الفسيح الممتد أمامه، وإلى التلال السوداء والرمادية وإلى الوديان الرملية البيضاء. وكان حضرته على هذا الجبل عندما التقى برئيس الملائكة – جبريل – لأول مرّة، حيث ظهر له كنور على عرش من نار، فاضطربت أركان محمد (ص) اضطرابا عظيما حتى أعماق نفسه. ذهب بعدها إلى خديجة يرتجف وهو في غاية التعب والإرهاق، فقامت على تهدئته وسهرت على راحته، ومنذ ذلك الوقت أصبح جبل حراء يسمّى بـ “جبل النور”.

كان هناك رجل اسمه سَلْمَان الفارسي، قد أمضى سنوات عديدة من حياته في الأسفار والتجوال يبحث عن نبي. ولد سلمان في قرية إيرانية، وكان وهو صبي يعمل في معابد الزرادشتيين في إشعال النار المقدّسة. ثم ترك إيران قاصدا دمشق، وفي طريقه تنقّل من خدمة رجل دين إلى آخر … كانوا في مجملهم أربعة رهبان. وكان كلّما حضر أحدهم الموت أوصاه إلى رجل دين بعده، وعندما حضر الرجل الرابع الموت قال لسلمان “هذا هو زمن الأنبياء الذي سيرسل فيه نبي، قم وتوجّه إلى بلاد الحجاز وستجد ضالتك هناك”.

في تلك الأيام لم يكن السفر آمنا. لأنّهم إذا أمسكوا بك باعوك كعبد من العبيد. وهكذا أمسكوا بسلمان وهو مسافر إلى الجزيرة العربية وباعوه ليهودي من المدينة. عمل سلمان في بساتين النخيل فيها، وكان يتولّى أمر الجمل الذي يدير الساقية التي ترفع المياه لقنوات الري. وفي يوم كان سلمان على قمة شجرة نخيل سمع سيده يتكلّم لأحد … يقول بأنّ هناك رجل في مكة ادّعى بأنّه نبي. ولدى سماعه هذه الكلمة بدأ سلمان يرتعش، وارتجف جسمه بشدّة حتى إنّه فقد تماسكه وانزلق إلى أسفل النخلة وسقط على رأس سيده الذي غضب وضربه وأنّبه متسائلا “ماذا بك؟”.

يَحْكِي لنا حضرة بهاءالله في كتاب الإيقان: ” … إذ عند ظهور فلك سماوات العدل، وجريان فلك الهداية على بحر العظمة، يظهر في السماء نجم بحسب الظاهر يكون مبشّرا لخلق السموات بظهور ذلك النيّر الأعظم، كما يظهر في سماء المعاني نجم يكون مبشّرا لأهل الأرض بذلك الفجر الأقوم الأكرم” (الإيقان 49) … “كذلك كان قبل ظهور الجمال المحمدي، قد ظهرت آثار في السماء الظاهرة، وأمّا الآثار الباطنة فقد كانوا أربعة رجال، واحدا بعد الآخر يبشّرون الناس على الأرض بظهور شمس الهداية. وقد تشرّف بشرف خدمتهم “روزبه” الذي سمّى بسلمان، وكان كلّما حضرت الوفاة أحدا منهم يرسل روزبه إلى الشخص الآخر إلى أن أتت نوبة الرابع الذي قال له في وفاته يا روزبه، إذهب من بعد تكفيني ودفني إلى الحجاز حيث تشرق هناك الشمس المحمدية، ويا بشراك بلقاء حضرته (الإيقان 51-52)” … وقبل التبشير بظهور سيدنا محمد (ص) بوقت قصير، كان هناك شعور عام في الجزيرة العربية بأنّ تغييرا ما على وشك الحدوث؛ كانوا يتوقّعون ظهور نبي، حتى إن النساء كُنَّ قلقات ويتلهّفنّ دوما لإنجاب أطفال ذكور، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بدّ أنّ إحداهن ستكون أمّ رسول الله، أمّا العقول الأوسع إدراكا والأكثر اهتماما فكانوا متأثّرين بأحاديث يهودية، وكانوا يبحثون عمّن يسمّونه (ملّة إبراهيم) وكان أتباعه حنفاء لله أو غير مشركين” أي تركوا عبادة الأصنام. ….وللحديث بقية….

كلمة إسلام

 

كلمة ” إسلام ” ليست في الحقيقة اشتقاقا من اسم سيدنا محمد (ص)، بل هي عربية الأصل وجذرها “سَلِمَ”. والكلمة بجميع أشكالها واشتقاقاتها تُرجمت على أنها استسلام لإرادة الله، وهي كلمة طاعة وسلام وعبودية لله وحده، وأنّ المسلم مَن اتّبع الإسلام واستسلمت نفسه لله، وقام على طاعته وفاز بعبوديته وحده.

الإسلام في البدء هو حكاية مدينتين في الجزيرة العربية، مكة ويثرب، التي سمّيت فيما بعد بـ “المدينة“. كانت المدينة واحة غنيّة يعمل أهلها في الزراعة، والعديد من عشائرها من اليهود، وقد زرعوا أشجار النخيل بكثافة في بساتينها. عانت المدينة لمدة من حُمَّى الملاريا، حتى إنّ مياه البرك والآبار في بعض الأحيان كانت تصطبغ بلون الحنّاء من كثرة سقوط الرعيان ؟ حتى إنّ الإبل كانت تمرض من شرب تلك المياه. أمّا مكة، فكان يحيط بها تلال جرداء، فيها طرق منظّمة وممهّدة ومنازل محصّنة في وسطها قاعة اجتماعات البلدة. في تلك الأيام كتب شاعر أسود يصف قساوة حالها بأنّه لا يوجد في مكة ولو ورقة عشب واحدة ترتاح لها العين … ولا حتى صيد…وبدلا من ذلك، لم يكن سوى التجارة فقط…ويصفها تعالى في قرآنه المجيد  رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمسورة ابراهيم – ايه 37 .

لم يكن في مكة وما حولها شجر ولا حدائق، بل بضع شجيرات شوكاء فقط مبعثرة هنا وهناك. وكانت مكة شديدة الحرارة، وإذا ما أراد أهلها تعذيب أحد الرجال ما عليهم سوى أن يلقوه أرضا على الرمال ويقيّدوه تحت أشعّة الشمس المحرقة. وعندما كانوا يطوفون حول الكعبة حفاة الأقدام، كان يتقدّمهم من يرش الماء على الأحجار السوداء لتلطيف حرارتها تحت أقدامهم، فكان الماء يجف على الفور. حتى مياه البئر القديمة –” زمزم “– التي تقول عنها الأحاديث قد نبعت مياهه من وسط الرمال تحت قدميّ إسماعيل عندما وضعته والدته هَاجَر في البرية . كانت مياهه في بعض الأحيان مُرَّة. كان هناك بالطبع أبار أُخرى ولكن على مسافة، والطريق إليها غير آمن. كانت الحرارة في مكة خانقة وهواؤها مميت تكتنفه سحب من الذباب وفي الشتاء كانت تُغمر البلدة بمياه السيول والفيضانات، وأحيانا تدفن تحت الطين، فتتهدّم البيوت، وتشاهد جثث الأموات طافية حولها، وتنتشر الأوبئة. ويقال : إن المعبد غُمِرَ مرة بمياه الفيضان حتى إنّ أحد الرجال الورعين طاف حوله سبع مرّات سباحة.

كان أهل مكة تُجَّارًا، يُسَيِّرُونَ قافلتين كل عام، واحدة إلى اليمن وأُخرى إلى الشام. يقول لنا النبي حزقيال في الفصل 27 في كتاب العهد القديم كيف أنّ العرب في قديم الزمان (حوالي 600 سنة قبل الميلاد) روّجوا التجارة عن طريق مضيق جبل طارق. ويعلّق أحد الكتّاب: “كانت آثار سير القوافل في وسط آسيا ووسط الجزيرة العربية في ذلك الزمان بمثابة الخطوط البحرية في المحيط، وقوافل الجِمال هي أساطيلهم التي تمخر عبابه”.كانت القوافل الكبيرة تضم حوالي 3000 جمل و 200 رجل. ومعظم الأهالي كانوا يستثمرون أموالهم في تلك القوافل، وكان ليوم مغادرتها أو ليوم عودتها من رحلتها حَدَث هام تهيج له مشاعر أهالي البلدة فيخرج الجميع تحت أصوات قرع الطبول ويعمّ الهَرج والمَرج معلنين عن مغادرة القافلة أو عن عودتها.

قال أحد الكُتَّاب: إنّ العرب هم أول من استأثروا بالتجارة الدولية. وكانت مكة حينذاك حلقة الوصل بين أهل الشرق وعالم البحر الأبيض المتوسّط. كما تَبَيَّنَ  للبيزنطيين مدى أهمية قوافل العرب لجلب المجوهرات والتوابل من الهند، والحرير من الصين، وكذلك الجلود والمعادن والعطور واللّبان والتمور. كان الدخل القومي للعرب قبل الإسلام ينحصر في التجارة والرعي.

 أمّا بعد الإسلام فكان بالإضافة إلى ما سبق جمع الجزية من غير المسلمين. وكان النبي (صلعم) قد وضع نظاما دقيا وصارما لجمع الجزية، وكانت تصرف معظمها في الصدقات والإحسان والمحافظة على استعداد الجيش وتجهيزه.

كان العرب، بعد عودتهم من رحلتهم يقضون أوقاتهم في لعب الميسر وشرب الخمر وفي أعمال المضاربة والرهانات. وكانت الخمر في بيوت الأثرياء وَعَلِيَّةِ القوم منهم تجري كسيل من المياه. هناك قصّة تروى عن رجل يملك جاريتين مشهورتين بصوتهما، كان يسمّيهما بحشرتيّ الزير، كان يوما سكرانا فاقد الوعي فضرب رجلا في عينه ففقأها، ولمّا أفاق فيما بعد نَدِمَ على فعلته، فأهدى الجاريتين المغنيتين إلى الرجل تكفيرا عن ذنبه. وعربيّ آخر قامر يوما بنفسه أمام صديق فخسر وأصبح عبدا لهذا الصديق. كانت الحروب مستمرّة بين القبائل، قتال ونزاعات ودماء ثأر مسفوكة بينهم. وكان الشعراء حينذاك ينعمون بالشهرة والتميّز عن الآخرين كما هو الحال مع رجال الصحافة والمؤرّخين في كل زمان. وكانت تقام مسابقات شعرية سنوية، كان أوسعها شهرة بين العرب تلك المعروفة عندهم بالمعلّقات السبعة الذهبية، وهي مكتوبة بماء الذهب على قطعة حرير مصري. هناك مَثَلٌ يقول بأنّ “الحكمة تسطع أنوار إبداعاتها على ثلاثة أشياء: يد الصيني، وعقل الفرنجي، ولسان العربي“. ولقد تفوّق العرب على غيرهم بفصاحة اللسان. يقول العربي في دعائه: “يا ربّ، حلّ عقدة لساني حتى لا يخذلني عند المباهلة”. وبالإضافة إلى فصاحة اللسان، كان العرب على درجة عالية من المهارة في استعمال السلاح وركوب الخيل. كانوا كرماء إلى درجة الإسراف، وفي هذا المجال يعلّق أحد الشعراء العرب: “يأتي المال في الصباح ويذهب قبل أن يأتي المساء”.

وفي مكة ,وتسمّى أيضا بِكَّة , كان المُوسرون وعليّة القوم يسكنون حول الكعبة في وسط المدينة، وهو الجزء الوحيد المنبسط منها ويعرف بـ “بالبطحاء“. أمّا العامة من أهل مكة فكانوا يعيشون في محيط تلك البقعة وفي الطرقات المنحدرة إليها. وكان هناك الأغراب والعبيد وجموع من الرِّعَاع كانوا يعيشون حول حدود مكة الخارجية، أمّا أبعد من ذلك فكانت الصحراء .يعيش فيها البدو الرحّل، كان منهم من يسكن الخيام، ومنهم الهائم على وجهه.

كان أهم ما في مكة “الكعبة”، وهو بناء مكعّب الشكل يشكّل حجر الأساس للبيت الحرام … مركز الحج وقلب الجزيرة العربية الذي يأمّه الكلّ. عرب الجزيرة ينحدرون من عدد كبير من عشائر منعزلة يعبدون أصناما مختلفة. وهم جميعا يحضرون إلى الكعبة ويتجمّعون فيها. أمّا الكعبة فهي بناء من الحجر بطول 55 قدما وبعرض 45 قدما وبارتفاع 55 قدما أو أكثر.

ويغطي البناء كساء من القماش يجري تجديده كل عام، وهذا التجديد كان يجري حتى أيام سيدنا محمد (ص). والمعتقد السائد أنّ سيدنا إبراهيم (ع) قام ببناء الكعبة، وأمّا الموقع فقد اختاره الله له ولولده إسماعيل ليكون مكانا آمنا يأمّه العالم بأسره لعبادة الله وتوحيده، في قوله تعالى: “ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ….وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.”

سورة الحج – ايه 26 -27

 

ويقول تعالى في تنزيله العزيز أيضا “

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ..

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ..

سورة ال عمران.- اية 96-97

 

وهناك الحجر الأسود , وهو أقدس ما في الكعبة , تجده قائما في الركن الجنوبي الشرقي لحائط الكعبة. وهو شبه دائري ارتفاعه ست بوصات بعرض ثماني بوصات ولونه أسود ضارب إلى الحمرة. نحن نقرأ في كتاب “مطالع الأنوار” كيف أنّ حضرة الباب في أول طواف له حول الكعبة يؤدي شعائر الحج، توقّف أمام الحجر الأسود وأعلن دعوته. كانت الأراضي المحيطة بمكة حتى ذلك الوقت لها حرمتها وقدسيّتها (منطقة الحَرَمْ). وكان هناك أربعة أشهر في السنة هي أشهر العفو العام والهدنة (الأَشْهُرُ الحُرُمِ). وفي تلك الأشهر كان الحُجَّاج ينعمون بالطمأنينة والأمان في رحلاتهم إلى مكة والتجوال في أسواقها.

ستجد تفاصيل عن الكعبة فى المقاله السابقه.

الكعبه

 

في أيام الجاهلية التي سبقت ظهور الإسلام، كان في داخل الكعبة وحولها 360 صنما. أي ما يعادل عدد أيام السنة. وكان رئيسهم الصنم “هُبَلْ”، وهو يمثّل رأس رجل ملتحٍ مصنوع من العقيق الأحمر وبيد واحدة من الذهب، يكسوه لباس بألوان متعددة زاهية. كان الناس يتوجّهون إليهم يستشيرونهم ويسألونهم النُّصح والهداية في أُمور تهمّهم كالزواج أو حفر بئر … ومسائل أُخرى شخصية، ويستعملون في ذلك سهاما سحرية. قرأنا لأحد الشعراء الذي كانت نفسه تتحرّق شوقا للثأر من قاتل أبيه، يشاور أحد الأصنام بثلاثة سهام سحرية مرموزة بـ ” تَقَدَّم،تَنَازَلْ، أَجِّل. وفي المرّات الثلاث التي رماها حصل على”تَنَازَلْ” فثارث ثائرته وكسر السهام ورماها في وجه الصنم صارخا: “لو كان المقتول والدك، لما كنت منعتني من الأخذ بثأره”.

وكانوا أحيانا يخدعون الصنم فينحرون له غزالا بدلا من الكبش الذي كانوا قد وعدوا به. كانوا في الواقع يعترفون بِإِلَهٍ غامض في غاية السمو، يسمّونه “الله” ولكنهم جعلوا معه شركاء بدرجة أقل، يسمّونهم بــ “الألاهات”… وهو جمع إِلَه. ثمّ جاء سيدنا محمد (ص) ليعلّمهم “لَا إِلَهَ إِلَّا الله”. هذا يذكّرنا بما جاء في إِعْمَال الرسل في العهد الجديد (الإنجيل): “فَبَيْنَمَا كُنْتُ أَتَجَوَّلُ فِي مَدِينَتِكُمْ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعَابِدِكُمْ وَجَدْتُ مَعْبَدًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ «إِلَى الإِلهِ الْمَجْهُولِ». فَبِهَذَا الإِلَهِ الَّذِي تَعْبُدُونَهُ وَلَا تَعْرِفُونَهُ، أَنَا أُبَشِّرُكُمْ” (17/23).

كانت مكة ومسؤولية الكعبة في يد قريش، وهي قبيلة عربية قوية النفوذ وتشكّل في مكانتها نوعا من الزعامة الدينية في أنحاء الجزيرة العربية، وكان أهلها ينعمون بشرف خدمة الحجّاج، يزوّدونهم بالمياه والطعام، كما يتولّون رعاية قاعة الاجتماعات في وسط البلدة، بالإضافة إلى شرف حمل الراية في الحرب. وكان نظام الحكم فيها يشبه حكم الأقلّية إلى حَدٍّ بعيد. كان سيدنا محمد (ص) أحد أفراد هذه القبيلة، وكان جَدَّهُ عبدالمطّلب. الزعيم الأسبق لمكة. وكان القائم على رعايته وهو صبي, عمّه أبو طالب, الذي خلف عبدالمطّلب في الزعامة فيما بعد. لذا كان سيدنا محمد (ص) في نظرهم، لا يدعو إلى تحطيم آلهة الكعبة فحسب، بل إلى تدمير عائلته بالذات.  اعتادت البشرية أن تحيط مولد مخلّصها (رسولها) بهالة من القصص الجميلة المشوّقة. فنحن نتذكّر ما قيل عن الرعاة والملائكة ليلة ميلاد السيد المسيح. كما يقول الزردشتيّون أنّ يوم مولد النبي زرادشت شاهدوا نورا سماويا يحيط بالمنزل، حتى إن الأشجار والأنهار في ذلك اليوم ظهرت في غاية الفرح والسعادة، كما أنّ في ليلة مولد سيدنا محمد (ص) شاهدت أُمّه (أمينة) نورا يشع منه عاليا حتى يصل النجوم، وأنّ أصنام الكعبة تداعت وانكفأت على وجهها. أمّا في الجانب الآخر من العالم، فكانت تُشاهد النار المشتعلة في معابد المجوس (الزردشتيين) يخبو نورها وتنطفيء , كان ذلك سنة 570 بعد الميلاد.

 

تعيين زمن ظهور حضرة الاعلى (حضرة الباب)

 

جاء فى القرأن الكريم فى معرض الرمز والتعميه عن وقت ظهور حضرة الاعلى وتعيين ذلك الزمن وهو قوله تعالى:

“أقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل وقرأن الفجر أن قرأن الفجر كان مشهودا

الاسراء 78

 

عن ابن عباس: ان سورة الاسراء مكية الا خمس أيات وهى من قوله تعالى :

وان كادوا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها

الى قوله تعالى :

واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا

وارقامها من 76 الى  80

واية ” اقم الصلاة” هى من هذه الايات المدنيات وقد ضمنت هذه الاية مدة الدورة المحمدية واقامة الشريعة الاسلامية فقوله تعالى ” اقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل. ومعنى اقم الصلوة اى ادمها من وقت الدلوك الى غسق الليل وهذا لا يدل على الامر باقامتها فى اوقاتها المعينة بل اقامة الصلاة من حيث انها هى صلاة مفروضة. فعليه ليس المراد من الشمس هنا الشمس الظاهرة بل شمس الرسالة المحمدية مجازا تشبيها لها بالشمس الظاهرة ووجه التشبيه ان الامة تستضئ بنور الرسالة وتحيا به كما ان العالم يستضئ بنور الشمس ويحيا به.

والدلوك هو الميلان والانزلاق من جهة لاخرى ( يقال دلكت الشمس اذا مالت عن كبد السماء) وقد كان زمن الهجرة هو زمن دلوك شمس الرسالة المحمدية حيث انه قد مضت عشرة سنين من تلك الرسالة فى مكة وعشر سنين مضت بعدها فى المدينة. وفرضت صلاة الخمس صبيحة ليلة الاسراء وكان الاسراء على ماقاله السدى فبل الهجرة بستة عشر شهرا. وعلى قول الزهرى قبل الهجرة بسنة واحدة.

واقامة الصلاة على ماهى عليه الان من هيئاتها وقبلتها لم يكن الا من زمن تحول القبلة من بيت المقدس الى الكعبة المكرمة وكان ذاك فى السنة الاولى من التاريخ الهجرى وهو زمن دلوك الشمس فى منتصف نهارها الى غسق ليلها وهو اشتداد الظلمة, والفجر انفجار هذا الظلام بنور صبح رسالة اخرى ذلك أن الزمن الذى يكون فيه الرسول بين ظهرانى الناس هو النهار بوجود شمس الرسالة بين ظهرانيهم فاذا غربت صار الليل واذا ظهرت رسالة اخرى عاد النهار. وكلمة ” غسق الليل ” قد تضمنت مدة اقامة هذا التشريع وفى منتهاها ظهور السيد على محمد الباب وهما بحساب الجمل ” ابجد هوز” (1260) وهذه هى عدد السنين التى تبتدئ من الهجرة وتنتهى بظهور حضرة الاعلى والحساب هكذا يكون:

غ = 1000

س = 60

ق = 100

- – - – - – -

1160

ل = 30 *** لام التعريف

ل = 30

ى = 10

ل = 30

- – - – - -

1260

وهى عدد السنين المفروض فيها اقامة الصلاة بهيئتها وقبلتها كما هى الان.

وعند انتهاء هذا التاريخ يكون ظهور خلق جديد ودور جديد ومنهاج جديد بظهور حضرة الاعلى.

 

*** والالف من الف لام التعريف من كلمة الليل لا يحسب لسقوطه فى الدرج.

العجائب والمعجزات

فى القرون الوسطى من القرون الاسلامية أطلق علماء الاسلام على المعانى أى الامور الخارجية عن امكان البشر لفظ (المعجزة) باعتبار انها مما يعجز الخلق عن الاتيان بمثله ولفظ (خارق العادة) باعتبار أنه لم تجر عادة الخلق بفعله. ثم قسموا ماهو خارج عن الامكان الى أقسام’:

وقالوا اذا صدرت خوارق العادات من انسان مقرونه بادعاء النبوة والرسالة تسمى ( معجزة) واذا صدرت منه قبل البعثة والادعاء تسمى (ارهاصا) واذا صدرت تلك الخوارق من الاولياء والصلحاء تسمى (كرامة) واذا صدرت من المضلين والاشقياء تسمى (سحرا) أو استدراجا.

فدارت تلك الالفاظ والمصطلحات على ألسنة الكتاب والعلماء حتى صارت ألفاظا كتابية وحقائق ثانوية , ودخلت فى الكتب اللغوية. الا أن ماسوى لفظة (المعجزة) التى لها مناسبة واضحة بالمعنى المقصود كلها مصطلحات تافة واستنباطات باردة نشأت عن الجهل بالحقائق العلمية , والمناسبات اللفظية كما لا يخفى على أصحاب البصائر النيرة بالدقائق اللغوية خصوصا فى لفظى الكرامة وخارق العادة. فان الكرامة لغة ضد اللامة. وقد يطلق على السخاوة. والكرامة المعطاة لاولياء الله هى عزة النفس الحاصلة من التقرب الى الحضرة الالهية. ولامناسبة لها بتلك السفاسف الوهمية, والمختلفات الخرافية. وأما خارق العادة فهو عبارة عما يخرق العوائد الجارية بين الناس ويغيرها ويبدلها. مثل عوائد الامة العبرية فى طقوس ديانتهم وأداب شريعتهم مثلا: ولما كان من أثار ظهور مظاهر أمر الله تغيير أحكام الديانة السابقة , وتبديل طقوس الشريعة الماضية مثل ماتغير وتبدل من شرائع اليهود بظهور المسيح له المجد. وما تغير وتبدل من شرائع الصابئة والمجوس بظهور الرسول علية السلام. لهذا اتخذ أهل البصارة خرق العادة من أعظم أثار مظاهر أمر الله. ومن أبين الدلائل على قوة كلمة الله.

فمثلا: ,اذ البنات واحترام التماثيل والصلاة للا وثان وعبادة النار وكثير من هذا القبيل كانت من أعظم عوائد العرب والفرس خرقها سيدنا الرسول عليه السلام , وبدلها بالاحكام الاسلامية والشريعة النبوية . وهذه هى خوارق العادات التى عدها أولو البصائر من افعال النبيين ومن شئون المرسلين. لا ما خلقه أوهام المتوهمين.

وأما السحر بالمعنى الذى تعتقده العامة. فهو من بقايا أوهام الازمنة المظلمة الغابرة التى أزاحت طبقات ظلماتها أنوار طلوع شمس الحقيقة وأنقشع تراكم غيومها من هبوب نسائم العلم والمعرفة, وماجاء من لفظ السحر فى كلمات الانبياء فى الكتب المقدسة فمعناه الحقيقى هو (الباطل) اذا كان أعداء الانبياء يتمسكون بالاياطيل,  ويشتغلون بها وكانو يحملون افعال الانبياء أيضا عليها فاطلق لفظ السحر والسحرة على الباطل وأصحاب الاباطيل فى كلمات الاخيار. فادرجت فى بطون الصحف والاسفار. ونسجت عليها عناكب الوهم على ممر القرون والاعصار. وستر معناها الاصلى عن الافهام والانظار. كما هو الشأن فى جمع الالفاظ  الواردة فى كلمات الابرار. وفى كفاية لارباب البصائر والابصار

والان ننظر بعين البصيرفى الاتى:

أذا أدعى مدع انة طبيب, واستدل على صدق ادعائه انه يطير الى الهواء ثم طار فرضا. فبالضرورة لا يثبت صدقه بهذا الدليل اذا ليس الطيران الى الهواء من صفات فعل الطب. ولا رابطة بين الطب والطيران وان كان نفس الطيران الى الهواء فى غاية الغرابة. بل معالجة الامراض وابراء المرضى وحفظ الصحة والمعرفة باسبابها وعلاماتها وقوانينها وأدابها هى من صفات فعل الطب وتثبت صدق قول الطبيب.

 لقد قال الامام الغزالى:” لو قال قائل ان أربعة أكثر من عشرة. وأنا ابرهن ذلك باحالة هذه العصا حية لكنت اندهش من حيلة العامل ولكنى كنت أبقى على يقينى بان أربعة أقل من عشرة الى اخر قوله. معناة أن لا تعلق بين البرهان والامر المبرهن واذا ذاك فلا يعد برهانا .

 

نتمنى للقارئ ان يمعن فى الكلمات المرصوده حتى يمكنة أن يعرف بغاية السهولة أن لا تعلق ولا رابطة ولا نسبة بين القدرة على أظهار المعجزات والعجائب وبين ادعاء النبوة والرسالة. فان الرسالة والنبوة ليست الا بعث انسان من قبل الله تعالى لهداية الخلق. فما هو ارتباط هذا المعنى بالقدرة على شق البحار وجفاف الانهار وانطاق الاحجار والاشجار مثلا اذا ليست تلك الامور افعلا تلائم وتناسب معنى الرسالة التى هى عبارة عن الوساطة بين الخلق وخالقهم لابلاغ احكامة ورسالته. وتعلم شرائعة وعبادته ولا لمعنى النبؤة التى هى عبارة عن البعث لهداية الخلق وتهذيب اخلاقهم وترقية الناس وتحسين أدابهم

الصلاة هى الثقة بالله

  جائت احدى السيدات الفقيرات الى حضرة عبد البهاء شاكية , وقالت : لقد سجن اخى منذ ثلاث سنوات , كان يجب ان لأ يسجن , أنها ليست غلطته , لقد كان ضعيف الارادة والشخصية وتأثر باراء الاخرين وتبعهم , ان حبسه سيستمر لاربع سنوات اخرى ووالدى حزينان جدا. كذلك توفى معيل عائلتنا الوحيد شقيق زوجى.ادرك حضرة عبد البهاء مقدار تعاسة هذه العائلة ودرجة حرمانها وفاقتها, لكنه مع ذلك تفضل: ” لاتحزنى يجب ان تثقى بالله”.صاحت المرأة , ولكن كلما اثق بالله أكثر , تسؤ احوالنا اكثر.أجابها : انك لم تثقى بالله ابدا.أجابت : ان والدتى تقرأ الانجيل طوال الوقت , وهى امرأه طيبة لاتستحق كل هذا. انها ضعيفة , كيف يتركها الله هكذا ؟وانا كذلك أقرأ الانجيل واصلى واسبح كل ليلة.نظر اليها بعطف وتفضل : “ان الصلاة ليست قراءة الانجيل , الصلاة هى الثقة بالله وقبول مشيئته. يجب ان تكونى صبورة وتقبلى مشيئة الخالق. حينئذ سوف تتغير الامور بالنسبة لك. أتركى عائلتك بيد القدرة الالهية , ثقى بالله وبافعاله , كونى قوية كالسفينة ولا تدعى الامواج تغلبك , بل امتطى أمواج المصاعب والبلايا بقوة دائما.

القرأن الكريم

  أول أية قرانية نزلت على الرسول الكريم فى غار حراء بمكة اثناء اعتكافه هى:  اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ 

 والايات القرأنية ثلثيها مكية وثلث مدنية وقد نزلت بصورة متقطعة تبعا لما تمليه الظروف , فبعض السور القصيرة كانت تنزل دفعة واحدة وبعض السور نزلت بعض أياتها فى مكة ثم أكملت فى المدينة.وبما أن الرسول الكريم كان أميا فانه أبدى اهتماما خاصا بحفظة القرأن الكريم حتى اذا ماحفظوا الايات وتلوها مرات عديدة فى حضوره واطمئنوا وأيقنوا من صحة محفوظاتهم بدأوا يتلونها فى جمع المسلمين, ولكن بعد الهجرة اختار الرسول الكريم نفر من الصحابة ليقوموا بكتابة القرأن الكريم بخط النسخ المتداول فى ذلك الوقت ومن بين هؤلاء ( على بن أبى طالب , أبو بكر الصديق , عمر بن الخطاب , عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت ) رضى الله عنهم.وكانو يكتبون الايات القرانية على سعف النخيل وجلود الحيوانات وقطع الصخر.أول من أمره النبى عليه السلام بجمع الايات هو على بن ابى طالب كرم الله وجهه   الذى أقدم على هذا العمل بع وفاة الرسول , ويليه فى ذلك زيد بن ثابت الذى كلفه بذلك أبو بكر الصديق وساعده عمر بن الخطاب, حيث جمعا كل الايات القرانيه وكتباها على مصحف من الجلد.وبقيت هذه النسخة عند أبو بكر الصديق وبعد وفاته الى عمر ثم السيدة حفصةرضى الله عنها بنت عمر زوجة الرسول.

وفى عهد عثمان بن عفان ونظرا لاشتداد الاختلاف فى قراءة القرأن أمر زيد بن ثابت مع جمع أخر من الصحابة بتنظيم وترتيب القرأن على شكل سور معينة بدأها بأية  (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ).

أما تنقيط وتشكيل الكلمات القرأنية فتمت فى عهد عبد الملك بن مروان وباهتمام من أبو محمد حجاج بن يوسف الثقفى.

التوراة

 كتاب العهد القديم (التوراة):  يوجد ثلاث نسخ منها وهى السومرية والعبرانية واليونانية.يوجد بعض الاختلافات بين هذه النسخ من حيث الحوادث والوقائع التاريخية وترجمة الكلمات والايات الالهية ولكنها تجمع جميعا بأنها تحوى الكلمات الصمدانية المنزلة على كليم الله موسى عليه السلام.أول من قام بمحاولة جمع التوراة وكتابتها هو الكاهن عزرا حيث جمع اسفار التوراة الخمسة وكتب انبياء بنى اسرائيل وأسباطهم وملوكهم وقرأها فى جمع من كبار قوم اليهود حيث أيد الجميع صحة كتاباته وأعلنوا ثقتهم واعتمادهم لها.ومما يجدر الاشارة اليه أن النسخة العبرانية المعتمدة لدى أهل اليهود تم طبعها لاول مرة عام 1488 ميلادية.

القنديل

 قصة تتميز بالبساطه وتركز على الجوهر .صَحَتِ المدينةُ ذات صباحٍ على خبر أليم مُحزن لقد مات الملكُ الطيِّب العجوز الذي حكم طوال عُمره بالعدل وأحبَّه كافةُ الناس. وقد حزن الجميع أكثر لأن الملك لم يكن قد ترك سوى ابنةٍ صغيرةٍ ليس بوسعها أن تحكُمَ. ولكنَّ الملك كان قد ترك أيضاً وصيةً لابنته الصغيرة قال فيها شيئاً قليلاً جداً. قالَ: كي تُصبحي ملكةً يجب أن تحملي الشمس إلى القصر.وقال الملكُ في وصيته القصيرة أيضاً “وإذا لم تستطيعي حَمْل الشمس إلى القصر فإنك ستقضين حياتَكِ في صُندوق خشبي مُغلق عقاباً لك” وبعد أن قرأتِ الأميرة الصغيرة الوصية استدعَتْ حكيمَ القصر وأخبرتهُ أن أباها قد كلّفها بمُهَمَّة عسيرة وأنَّها لا تريدُ أن تكون ملكة أبداً.إلا أنّ الحكيم العجوز قال لها : إن قوانين المملكة المكتوبة منذُ زمن بعيد تُحرِّمُ على الأمير أو الأميرة أن يرفضا الحُكْم وقال الحكيمُ العجوزُ : “إن ابنةَ الملك لا تستطيع إلا أن تكون أميرة. وقد عاشتْ مملكتُنا بسعادة دائمة لأن كلِّ واحدٍ فيها يعرفُ واجبهُ ولا يهربُ منه، وقد كان والدُك الملكُ حكيماً حين قالَ لكِ إن عَليك إحضار الشمس إلى القصر أو العيشَ في صُندوق”. وفي صباح اليوم التالي قررت الأميرة أن تتسلَّق الجبل العالي الذي تمرُّ من جانبه الشمسُ في كلِّ يومٍ، وقد سألت الأميرة الحكيمَ عن رأيه في خُطَّتها فقال لها الحكيمُ : “أيتها الأميرةُ الصغيرة يجب أن تُحضري الشمس دون مساعدة أحد”. وهكذا بدأت الأميرة تتسلقُ الجبل العالي. ولكن الأميرة حين وصلت إلى قمة الجبل اكتشفت أن الشمس ما تزالُ بعيدةً وأنه لا يُمكنُ لإنسانٍ أن يُمسكَ الشَّمس فعادت إلى القصر حزينةً وأغلقت غرفتها بالمفتاحِ وأخذت تبكي. وبعد يومين شاهدت الأميرةُ الحزينةُ ورقةً صغيرةً تحت باب غرفتها فركضت وأخذت تقرؤُها. كان فيها جُملة صغيرة هي “لن تستطيعي أن تجدي الشمس في غرفةٍ مغلقة“. واحتارت الأميرة لأنها لم تعرف صاحب الخطِّ الذي كتب تلك الجملة الصغيرة ولكنَّها قررت أن تُواصل بحثها عن الشمس ولو اضطُرَّتْ لتسلُّقِ الجبل كلَّ يومٍ.. وفي الوقت نفسه علّقت الأميرةُ على جدران القصر الخارجية بياناً قالت فيه إنَّ أيَ رجلٍ يستطيعُ أن يُساعدها في حَمْلِ الشمس إلى القصر سينالُ مكافأةً من المجوهرات.وفي أيام قليلة عرف كلُ الناس أنّ الأميرة الصغيرة تريدُ حَمْلَ الشمس إلى القصر، ولكنّ أحداً لم يَسْتطع أن يُساعدها، وقرر بعضُ الناس أنّ الأميرة مجنونةٌ لأنها تطمعُ في شيء مستحيل، وقرَّر آخرون أنّها أميرةٌ حكيمةٌ لأنّها تريد أن تُحقِّق شيئاً “مستحيلاً” ولكنّ الجميع عجزوا عن مساعدتها.وفي صباح اليوم التالي جاء الحكيمُ العجوزُ إلى الأميرة وقال لها إنَّ الفرصةَ التي أُعطيت لها تُوشكُ أن تنتهي، شرح العجوز ذلك فقال : “إنَّ أباك الملك كان قد أوصاني قبل وفاته أن أُشْعل شمعةً كبيرة مباشرةً بعد وفاته, فإذا ذابت قبل أن تهتدي إلى الشمس فإن عقابَك يصيرُ واجباً” وحين خرج الحكيمُ من الغرفة حزنت الأميرةُ حزناً شديداً وعرفت أنه لن يتيسّر لها أبداً أن تصير ملكةً، وأخذت تتخيَّلُ نفسها في الملابس الملكية التي لن تستطيع أن تلبسها أبداً. وبينما هي غارقةٌ في حُزنها كان رجلٌ عجوزٌ جداً يحاول أن يَدخُل إلى القصر، ولكنَّ الحُرّاس كانوا يمنعونه من الدُّخول ويحاولون طرده بشتّى الوسائل، إلا أنّ العجوز كان عنيداً. وشهدت الأميرةُ من شباك غرفتها ذلك المنظر، ثم سمعت صوت العجوز يصيحُ بالحرس:- “أُريدُ أن أدخل لأُساعد الأميرة” وسمعت صوت الحرس :
- “هل تستطيعُ أن تساعدها أنت أيُّها العجوز الهرِمُ؟” وعادت تسمع صوت العجوز وهو يصيحُ:
- “حسناً. قولوا لها إنه إذا لم يكن بوسع إنسانٍ عجوز أن يدخل إلى قصرها فكيف تطمعُ أن تُدخل الشمس إليه؟ وفي تلك اللحظة أدار العجوز ظهره ومضى، وحاولت الأميرة أن تُناديه إلاّ أنّه كان قد اختفى في الزّقاق المجاور، وحين طلبت من الحرس أن يبحثوا عنه كان العجوز قد صار بعيداً.
عادت الأميرةُ إلى غرفتها حزينةً يائسةً، وأخذت تفكر فيما قاله العجوزُ للحرّاس، إلاّ أنها لم تستطع أن تعرف
ما الذي قصده. وفجأة قررت أن تستدعي قائد الحرس.
كان قائدُ الحرس رجلاً قوياً خدم في القصر أكثر من عشر سنوات، وحين دخل إلى الغرفة سألته عن الرجل العجوز الذي طرده الحرّاسُ، وهل جاء إلى القصر قبل ذلك؟ فقال قائدُ الحرس: إنّ الرجل العجوز يأتي كلّ مساءٍ، إلا أن الحراس يمنعونه من الدخول لأنهم يعتقدون أنه رجلٌ مجنونٌ. قالت الأميرةُ: “صفهُ لي” فقال القائد: “إنه رجلُ فقيرٌ يحملُ قنديلاً صغيراً دائماً.” قالت الأميرة: “إذا جاء الرجلُ العجوزُ غداً. فاسمحوا له أن يدخل” إلا أن الرجل العجوز لم يأت في اليوم التالي وعادت الأميرة إلى حزنها ويأسها.
وبينما كانت الأميرة في غرفتها تبكي شاهدت ورقة أخرى تحت الباب، فركضت إليها وفتحتها وقرأت فيها: “
الوقتُ ضيّقٌ. الشمعةُ الكبيرةُ على وشكِ أن تذوب، إن البكاء والحزنَ لا يحلاّن المشاكل“.
أحسّت الأميرةُ الصغيرةُ بأنها يجب أن تفعل شيئاً وإلا قضت حياتها في صندوق مغلق، وفجأةً استدعت قائد الحرس وقالت له: -”أريدُ أن تُحضروا إلى القصر كلّ رجلٍ في المملكة يحمل قنديلاً صغيراً.”  فقال قائد الحرس متعجباً :
- “كل ذلك من أجل العجوز المجنون؟”
فقالت الأميرة : – ” يجب أن أُجرِّب ذلك العجوز فقد يكون الحلُّ عنده” وفي الصباح الباكر وزّع قائدُ الحرس كلَّ الحراس في جميع أرجاء المملكة وأمرهم أن ينتظروا حتى المساء، فإذا حلّ الظلام فإنّ عليهم أن يُلقوا القبض على كل رجلٍ يحملُ فانوساً صغيراً وأن يرسلوه فوراً إلى القصر. وعند المساء جلست الأميرة أمام النافذة تنظر إلى الشارع، وتنتظر قدوم الرجال الذين يحملون القناديل الصغيرة. وفجأة شاهدت الأميرة منظراً عجيباً، ففي الأُفق المظلم البعيد كان آلافُ الرجال يحملون القناديل ويتقدمون نحو القصر من كافة النواحي. وبعد قليل وصل الجميع إلى
أبواب القصر التي كانت صغيرة ًومغلقةً، وازدحموا أمامها، وفي كل لحظة كان
الرجال حَمَلةُ القناديل يتكاثرون دون أن يستطيعوا الدخول بسبب الأبواب الصغيرة، فطلبت الأميرة من الخدم أن يهدموا الأسوار العالية، وأن يُوسِّعوا الأبواب كي يتيسَّرَ للجميع الدخول إلى باحة القصر.ونزلت الأميرة من غرفتها إلى ساحة القصر وإلى جانبها قائدُ الحرس ليدلّها على الرجل العجوز، وحين وصلت إلى الساحة كان الضوء يتوهّج كأنه الشمسُ لكثرة الرجال والقناديل، وقال قائدُ الحرس: “أيّتها الأميرةُ، لن أستطيع أن أتعرف على العجوز لأن الوجوه جميعها هنا تتشابه.” وكانت الأميرة لا تستطيع أن تفتح عينيها جيداً لكثرة الضوء. وقالت لقائد الحرس: “لم أكن أتصور أنه يوجد في مملكتي كل هذه القناديل” فقال قائد الحرس: “إنهم يخافون من اللصوص” إلا أن الحكيم العجوز قال: “كلاّ. حين يحل الظلام يحمل كلّ رجلٍ قنديله الصغير ليتعرف على طريقه.” ونظر الحكيم العجوز إلى الأميرة وقال: هل تستطيعين أن تحملي كل هذه القناديل دفعةً واحدة” قالت الأميرة: “طبعاً، لا” فقال الحكيم: “وكذلك الشمس. إنها أكبر من أن يُمسكها رجلٌ واحدٌ أو امرأة واحدةٌ.” قالت الأميرة: “لقد فهمت كلّ شيء الآن. إنّ القناديل الصغيرة مجتمعةً هي الشمسُ التي قصدها والدي”.
فقال الحكيمُ: “نعم، ولكن أنظري إلى هناك” وأشارَ إلى النافذة، كانت الشمسُ قد بدأت تُشرق وتدخل أشعّتُها إلى القصر، وصاحت الأميرة “شيءٌ عجيبٌ، هذا يحدث لأول مرة” فقال الحكيم: “نعم هذا يحدثُ لأول مرة
لأنك هدمت الأسوار والأبواب. هل نسيت؟ لقد كانت تلك الأسوارُ هي التي تحجُبُ أشعة الشمس وتمنعها من دخول القصر.” وبعد لحظة ألبسها الحكيم التاج المزنّرَ بالجواهر وقال لها: “أصبحت ملكة لأنك نفّذت وصيّة والدك واستطعت أن تحملي الشمس إلى القصر.

« الصفحة السابقة