قال المكيون يتحدّون الرسول (ص):
”يا محمد! اعرف تماما أنّنا لن نتوقّف أبدا عن منعك من نشر دعوتك حتى تهلك أو نهلك”.
ولمدّة ثلاث سنوات (617-619 ميلادية) وهم يحاصرونه ومن معه من أبناء عشيرته في حيّ منعزل من البلدة، وحرّموا على أهل البلدة الآخرين التعامل معهم تحت أي ظرف. ثم توفّت خديجة رضى الله عليها (ديسمبر سنة 619 ميلادية)، وبعدها بخمسة أسابيع توفّى عمّه وراعيه (أبو طالب). ونظرا لأنّ أقرب الناس إلى حضرته تنكّروا له وناصبوه العداء، قرّر الانتقال إلى مدينة أُخرى. رحل حضرته إلى الطائف، وهي مدينة جبلية جميلة على بعد 112 (كم) جنوب مكة حيث تنمو فيها أشجار الفاكهة .
قد يظن المرء أنّ هذا هو نهاية قصّة سيدنا محمد (صلعم). بالطبع لا! فقد خرج حضرته في نهاية الأمر من مكة مع مجموعة صغيرة من أتباعه بعد أن أُغلقت في وجوههم كل الأبواب. توجّهوا إلى الصحراء، وانطلقوا وحدهم هائمين على سطح هذا الكوكب الفسيح، يتربص لهم ويحيط بهم رجال بربريّون متوحّشون، لهم قلوب أشد قسوة من الحجارة، يئدون طفلتهم الرضيعة حيّة بحجة حماية شرفهم، ويقتلون، بدم بارد، وبقصد وبدون قصد … وهم الذين ما زالوا يتعطّشون طوال 13 سنة لسفك دم حضرته، يناصبونه العداء من أجل التعاليم التي جاء بها والّتي في مضمونها القضاء على تقاليد وعقائد قومهم وفقدانهم لثرواتهم وسلطتهم ومكانتهم. كتب أحد أعداء حضرته: نحن بحثنا دون جدوى في صفحات تاريخ الإنسان على هذه الأرض، لم نجد ما يمكن أن يوازي أو يشبه ذلك النضال لنبي الجزيزة العربية الذي دام 13 سنة في وجه الخذلان والطغيان والتهديد والوعيد والرفض والاضطهاد، ثمّ يبقى دينه هكذا صامدا أبيّا لم تَنَل منه عواصف البغض والعدوان دين يعلّم التوبة إلى الله دون يأس أو ملل ويقف بكل أنفة وشموخ وثقة بالمستقبل في وجه الإهانة والوعيد والخطر المحتوم.
ما كان يجري في الإسلام من أحداث في ذلك الوقت يمكن سردها على النحو التالي: كان سيدنا محمد (صلعم) كثيرا ما يدعو قبائل أُخرى غير قريش إلى الإسلام، وهم أُولئك الذين يحضرون إلى مكة لزيارة الكعبة أو للتسوّق في أسواقها الموسمية الكبيرة. وفي مثل هذه المناسبات، كان أبو لهب، عم الرسول، يتعقّب خطوات ابن أخيه ويصيح بالناس محذّرا: “إنّ محمدا دجّال مدّعٍ! لا تصدّقوه، إنّه يسعى إلى تحويلكم عن دين آبائكم”. وكان الزائرون يضحكون ويسخرون قائلين: “إنّه ابن عشيرتكم وأنتم أدرى، ولذلك لا تؤمنوا به”. ولكن كان هناك بعض من أهل المدينة ( يثرب ) يصغون إلى ما يقول حضرته. كانوا منهكين من القتال وقد سئموا العداوة المزمنة بين العشائر المتنافسة والمتناحرة في مدينتهم. فسألوا حضرته ليحضر إليهم ويكون رئيسا لهم.
أرسل سيدنا محمد (صلعم) بعضا من صحابته قبله إلى المدينة. كان ذلك في سنة 622 ميلادي، وهي سنة الحَدَث المقدّر والمحتوم سنة الهجرة التي بها بدأ حساب التقويم الإسلامي فيما بعد.
في هذه الفترة الحاسمة من الدعوة، اتّفق أهل مكة على خطّة لإغتيال الرسول (صلعم)، ورتّبوا ذلك مع أفراد يمثّلون جميع بطون العشائر لمهاجمة حضرته وقتله يدا واحدة، وهكذا لا يقع ثأر سفك دم حضرته المبارك على أيّ واحد منهم. انتظروا خارج بيته يراقبون متى يلتف بعباءته وينام في مخدعه، وعندما جاء الفجر اكتشفوا أنّ الذي في مخدعه هو ابن عمّه عليّ (رضى الله عنه)، أمّا سيدنا محمد (صلعم) فكان قد غادر بيته في تلك الليلة متوجّها إلى المدينة التي سمّيت من ذلك الحين “مدينة النبي”.
دخل الرسول (صلعم) المدينة واستقبله أهلها استقبال المنتصر، ووضع شيخ عمامته على رأس حربته لتكون دلالة على مبايعة حضرته. ورفعوا فوق رأس حضرته مظلّة من سعف النخيل لحمايته، بينما المؤمنون الأنصار من أهل المدينة التفّوا حوله ملوّحين في الهواء بسيوفهم وحرابهم. ترجّل حضرته عن دابّته خارج حدود المدينة، وتوجّه نحو القبلة، القدس الشريف، وصلّى بالجموع المحتشدة، وبعدها، قالت الجماعة: “أن يترك النبي ناقته حرّة طليقة في المدينة، وحيثما تبرك، سيقام هناك مسجد فيما بعد”. وعلى هذا النحو، دخل نبي الله المدينة وحَيَّا أهلها، حتى الأطفال منهم.
وهكذا خُدِعَ المكيون من طريدهم، وأصبح ذلك المحتقر المنبوذ الذي نعتوه بالشاعر المخبول وبالمجنون أحيانا وبالكذّاب أحيانا أُخرى
.
أصبح الآن له دولة ورجال. وهكذا قامت الجزيزة العربية بأسرها ضد أهل المدينة. وأخذ أهل مكة على الفور بلملمة القبائل بما فيهم “خمسة عشائر” ضمن المدينة نفسها. وعليه، بدأ القتال بين العبادة الوثنية والعبادة الحقّة، بين هُبَلْ والمولى القدير، بين الحق والباطل، وبين الموت والحياة.
والآن بَقِيَ لنبي الله عشر سنوات أُخرى ليعيشها. كانت سنوات حافلة بالأحداث والإنجازات، ففي معركة بدر أُجبر أهل مكة على الفرار. ثمّ قاموا بعد فترة وجيزة بثلاثة آلاف مقاتل وهاجموا سيدنا محمد (صلعم) ورجاله الألف عند جبل أُحد الذي يبعد عن المدينة بثلاثة أميال. في الواقع، سيدنا محمد (صلعم) ما أحب الحرب قط، ولكن لم يكن لحضرته خيار. كان حضرته في الحرب نبيلا ولطيفا حتى إنّ أعداءه كانوا ينعتونه بالمخنّث لرقّة قلبه. وعندما وقع حضرته في واقعة أُحد، سأله أحد الصحابة أن يلعن العدو، فأجابه: “أنا لم أُبعث لأكون لعنة على البشرية، بل أُمرت أن أكون داعية خير ورحمة“.
وفي واقعة أُحد أُصيب النبي بجرح في فمه وبصدغه، وأُشيع في المعركة أنّه قُتِلَ. بكي عليّ (كرم الله وجه)بحرقة وأسى عندما رأى النبيّ والدم يسيل على وجهه، فذهب على الفور وأحضر بدرعه بعض الماء ينظّف وجهه ويقول: “يا رسول الله، إنّي أغسل الدم عن وجهك لعلّ رجالك يعرفونك”.
بعدها قام عليّ ورفع راية النبي ولَمَّ شعث المسلمين المهزومين. كان انتصار عبدة الأصنام مكلفا للغاية، وبعدها تفرّقوا لفترة، ثمّ تجمّعوا ثانية في سنة 627م وعادوا بـ 10 آلاف مقاتل وحاصروا المدينة. وبناء على نصيحة سلمان الفارسي وهو(زرادشتى الديانه) قبل اسلامه الذي اقترح على النبي حفر خندق حول المدينة وهي خطّة دفاعية عسكرية لم تكن معروفة لدى أهل الجزيرة العربية من قبل، وقرّر النبي الأخذ بها. وبدأوا بالفعل في حفر الخندق، وعمل النبي نفسه مع الآخرين في حفره.
كان الحصار 15 يوما، ولكن الخندق حصّن المدينة وحماها، ثمّ هبّت عاصفة أرغمت العدو على فك الحصار والفرار، وهكذا تغلّب الإسلام هذه المرة.
ذهب سيدنا محمد (صلعم) بعد معركة أُحد إلى ابنته فاطمة، وعندما وقعت عيناها عليه انفجرت في البكاء وأخذت تقبّله ، فقال لها: يا فاطمة ! لماذا تبكين !؟ فقالت: أراك مرهقا متلحّفا بعباءة بالية، فقال لها: إنّ الله أوحى إلى أبيك بأنّه هو الذي يضع العزّة أو الذلّة في أي بيت يشاء، أكان من طين أو شعر؛ وأوحى إِلَيَّ أنّ ذلّتي ستلازمني لتصل بي حيث الليل.
إنّ رابطة الدم القديمة في أنحاء الجزيزة العربية قد حلّ محلّها الآن رابطة أوسع وولاء أكبر. ولأول مرة تتوحّد القبائل العربية المتعادية تحت راية واحدة هي الإسلام. قال تعالى: “لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ”.
فتح سيدنا محمد (صلعم) مكة في سنة 620 م ودخلها بطريقة سلميّة لا نظير لها، وخاطب أهلها قائلا: “ماذا ترون أنّي فاعل بكم ؟ فقالوا: “أخ كريم وابن أخ كريم”. فقال لهم حضرته اذهبوا فأنتم الطُّلقاء” ثمّ أردف قائلا: ” أقول لكم ما قاله أخي يوسف لإخوته: “قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ“.
حطّم نبي الله أصنام الكعبة وسوّى بها الأرض قائلا: “وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا“.
وهكذا دخل العرب في دين الله أفواجا. وبمجرّد أن تعلن قبيلة إسلامها، كان الرسول (صلعم) يرسل لهم معلما يعلّمهم الإسلام. يقول له: “تعامل مع القوم برفق، ولا تتسرّع، أَدْخِل الطمأنينة والفرحة إلى قلوبهم ولا تحتقرهم أو تقلل من شأنهم. إنّ مفتاح الطريق إلى الجنّة أن تشهد أنّ الله حق، وأن تعمل من أجل الخير.
أرسل سيدنا محمد (صلعم) أيضا رسائل خطّية وسفراء يعرض فيها الإسلام على حكّام العصر وملوكه . إلى مَلِكِ فارس وامبراطور الحبشة، وهِرَقْل وامبراطور بيزنطة، وسلطان مصر، وحاكم اليمن، وزعيم بني حنيفة في نجران.
وَقَعَ رسول الله بعد ذلك فريسة للمرض فقد أصابته حمّى شديدة ألزمته الفراش. كان أحد الصحابة بجانبه فوضع يده على جبين حضرته وقال: “كم الحرارة شديدة عليك!” فقال حضرته: “نعم! حقّا! ولكنني، خلال الأوقات العصيبة كنت أكرّر حمدي لله في سبعين سورة بما فيهم السور الطويلة السبع” فقال الصحابي: “لماذا لا تخلد إلى الراحة، وتسهّل الأمر على نفسك، أَلَمْ يعفو عنك ربّك؟” فأجاب (صلعم): “ألهذا لا أكون عبدا شكورا“.
ولمّا كانت حالة حضرته من سوء إلى أسوأ، سأل إذا كان في البيت أيّ ذهب، وعندما قيل له نعم! يوجد، أصرّ حضرته أن تقوم زوجته عائشة (رضى الله عنها) وتتصدّق به على الفقراء، وأن حضرته لن يرتاح له بال حتى تفعل ذلك، ثمّ تفضل وقال: “لن يكون أبدا أن أقابل ربّي وهذا الذهب لا يزال بيدي”. وعندما كان حضرته يعاني سكرات الموت طلب قرطاسا وقلما ليكتب وصيّته، ولكن عمر بن الخطّاب (رضى الله عنه) قال: “إنّ رسول الله يهذي من شدة الحمّى، يكفينا كتاب الله”. فقال له أحد الصحابة الحاضرين: “أنبي ويهذي؟” أَوَلَيْسَ هو القائل:”وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى” فأجابه عمر(رضى الله عنه): “وهو القائل أيضا: “إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ”.
وهكذا بدلا من أن يذهبوا ويحضروا القرطاس والقلم عَلَت أصواتهم في جدال عقيم بجوار فراش حضرته، فصرفهم الرسول من محضره. وبينما كان حضرته يهمس بصلاته صعدت روحه الطاهرة في 8 حزيران (يونيو) سنة 632 ميلادية.
أحدث التعليقات